(انما يخشى الله من عباده العلماء)

الامام الخوئي في سطور

ولد الامام الخوئي في ليلة النصف من شهر رجب سنة 1317هـ الموافق 19/11/1899م، في مدينة خوي من اقليم آذربيجان، وقد التحق بوالده العلامة المغفور له آية الله السيد علي اكبر الموسوي الخوئي الذي كان قد هاجر قبله الى النجف الأشرف، وحيث كانت المعاهد العلمية في النجف الأشرف هي الجامعة الدينية الكبرى التي تغذي العالم الاسلامي كله وترفده بالآلاف من رواد العلم والفضيلة على المذهب الامامي، فقد انضم سماحته وهو ابن الثالثة عشرة الى تلك المعاهد، وبدأ بدراسة علوم العربية والمنطق والاصول والفقه والتفسير والحديث.

منهجه العلمي 

يمتاز سماحة الامام الخوئي (قده) بمنهج علمي متميز واسلوب خاص به في البحث والتدريس، ذلك انه كان يطرح في أبحاثه الفقهية والاصولية العليا موضوعاً، ويجمع كل ما قيل من الأدلة حوله، ثم يناقشها دليلاً دليلاً، وما أن يوشك الطالب على الوصول الى قناعة خاصة، حتى يعود الامام فيقيم الادلة القطعية المتقنة على قوة بعض من تلك الادلة وقدرتها على الاستنباط، فيخرج بالنتيجة التي يرتضيها، وقد سلك معه الطالب مسالك بعيدة الغور في الاستدلال والبحث، كما هو شأنه في تأليفاته القيمة، بما يجد المطالع فيها من تسلسل للافكار وبيان جميل مع الدقة في التحقيق والبحث، ولذا فقد عُرف بعَلَم الاصول والمجدّد.

ولا تقتصر أبحاثه وتحقيقاته على هذين الحقلين في الاصول والفقه، فهو الفارس المجلّي في علم الرجال او (الجرح والتعديل) وقد شيّد صرحاً علمياً قويماً لهذا العلم ومدخليته في استنباط المسائل الاسلامية، جمعها في كتابه الشهير "معجم رجال الحديث وتفصيل طبيقات الرواة"، كما بذل جهداً كبيراً في التفسير وعلوم القرآن وضعها في مقدمة تفسيره "البيان في تفسير القرآن"، وغيرها من الحقول العلمية.

ولهذا فقد جمع من حوله طيلة فترة تدريسه اعداداً كبيرة من طلبة العلوم الدينية والاساتذة اللامعين، ينتمون الى بلدان العالم المختلفة، فكان هناك طلاب من سوريا ولبنان والاحساء والقطيف والبحرين والكويت وايران والباكستان والهند وافغانستان ودول شرق آسيا وافريقيا مضافاً الى الطلبة العراقيين، ولم يكتف سماحة الامام بتغذيتهم علمياً وثقافياً، ورعايتهم روحياً، بل امتد ذلك ليشمل تغطية نفقاتهم المعيشية من الحقوق الشرعية التي كانت تصل اليه، وهكذا فقد أسس سماحته مدرسة فكرية خاصة به ذات معالم واضحة في علوم الفقه والتفسير والفلسفة الاسلامية والبلاغة وأصول الفقه والحديث.

مشايخه

تتلمذ الامام الخوئي (قده) على كوكبة من أكابر علماء الفقه والاصول، ومراجع الدين العظام في بحوث الخارج، ومن أشهر أساتذته البارزين:

آية الله الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة، المتوفى سنة 1339هـ.

آية الله الشيخ مهدي المازندراني، المتوفى سنة 1342هـ.

آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي، 1278 ـ 1361هـ.

آيه الله الشيخ محمد حسين الغروي، 1296 ـ 1361هـ.

آية الله الشيخ محمد حسين النائيني، 1273 ـ 1355هـ، الذي كان آخر أساتذته.

كما حضر قدس سره، ولفترات محددة عند كل من:

آية الله السيد حسين البادكوبه اي، 1293 ـ 1358هـ، في الحكمة والفلسفة.

آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي، 1282 ـ 1352هـ، في علم الكلام والتفسير.

آية الله السيد ميرزا علي آقا القاضي، 1285 ـ 1366هـ، في الاخلاق و السير والسلوك والعرفان.

وقد نال درجة الاجتهاد في فترة مبكرة من عمره الشريف، وشغل منبر الدرس لفترة تمتد الى أكثر من سبعين عاماً، ولذا لقب بـ "أستاذ العلماء والمجتهدين".

وله إجازة في الحديث يرويها عن شيـخه النائيني عن طريق خاتمة المحدثين النوري، المذكور في آخر كتاب "مستدرك الوسائل" لكتب الامامية، وأهمها الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، ووسائل الشيعة، وبحار الانوار، والوافي.كما وله إجازة بالرواية عن طرق العامة، عن العلامة الشهير السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي قدس سره، المتوفى سنة 1377هـ.

مؤلفاته

لقد ألف سماحته عشرات الكتب في شتى الحقول العلمية المختلفة نذكر المطبوع منها:

1 ـ أجود التقريرات، في اصول الفقه.

2 ـ البيان، في علم التفسير.

3 ـ نفحات الاعجاز، في علوم القرآن.

4 ـ معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، في علم الرجال، في 24 مجلداً.

5 ـ منهاج الصالحين، في بيان أحكام الفقه، في مجلدين وقد طبع 28 مرة.

6 ـ مناسك الحج، في الفقه.

7 ـ رسالة في اللباس المشكوك، في الفقه.

8 ـ توضيح المسائل، في بيان أحكام الفقه، الرسالة العملية لمقلديه، طبع أكثر من ثلاثين مرة وبعدة لغات.

9 ـ المسائل المنتخبة، في بيان أحكام الفقه، الرسالة العملية لمقلديه باللغة العربية، طبع أكثر من عشرين مرة.

10ـ تكملة منهاج الصالحين، في بيان أحكام الفقه، في القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص.

11ـ مباني تكملة المنهاج، في أسانيد الأحكام الفقهية، في القضاء والشهادات والحدود والديات والقصاص.

12ـ تعليقة العروة الوثقى، لبيان آرائه الفقهية على كتاب "العروة الوثقى" لفقيه الطائفة المغفور له آية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي قدس سره.كما ولا يزال البعض الآخر من مؤلفاته مخطوطاً.

تلامذته

لقد تتلمذ بين يدي سماحته عدد كبير من أفاضل العلماء المنتشرين في المراكز والحوزات العلمية الدينية الشيعية في أنحاء العالم، والذين يعدون من أبرز المجتهدين من بعده، ومنهم:

1 ـ آية الله السيد علي البهشتي ـ العراق.4 ـ آية الله الشيخ ميرزا جواد التبريزي ـ ايران.

5 ـ آية الله السيد محمد رضا الخلخالي ـ العراق.

6 ـ آية الله الشيخ محمد اسحاق الفياض ـ باكستان.

7 ـ آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي ـ العراق.

8 ـ آية الله الشيخ محمد آصف المحسني ـ افغانستان.

9 ـ آية الله السيد علي السيد حسين مكي ـ سوريا.

10ـ آية الله السيد تقي السيد حسين القمي ـ ايران.

اية الله الشيخ حسين وحيد الخراساني ـ ايران.

12ـ آية الله السيد محمد حسين فضل الله ـ لبنان.

13ـ آية الله السيد علاء الدين بحر العلوم ـ العراق.

14ـ آية الله المرحوم السيد محمد الروحاني ـ ايران.

15ـ آية الله المرحوم الشيخ ميرزا يوسف الايرواني ـ ايران.

16ـ آية الله المرحوم السيد محي الدين الغريفي ـ البحرين.

17ـ آية الله الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم ـ العراق.

18ـ آية الله الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ العراق.

وغيرهم كثير من السادة العلماء والمشايخ كبار وأفاضل الأساتذة، ممن تتلمذ على الامام مباشرة أو على تلامذته في جميع الحوزات العلمية الدينية المعروفة.

تقريرات بحوثه

وقد ترك آية الله العظمى الامام الخوئي (قده) أبحاثاً قيّمة كثيرة في حقلي الفقه والاصول، وهي الدروس التي كان يلقيها سماحته خلال مدة تزيد على نصف قرن، على عدد كبير من أفاضل العلماء وأساتذة الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف، من المجتهدين ذوي الاختصاص في الدراسات الدينية العليا، المعروفة بـ "البحث الخارج" (فقد ابتدأ رضوان الله تعالى عليه، بتدريس بحث الخارج سنة 1352 الى 1410 هـ، من دون انقطاع) وقد قررت ودوّنت نظرياته الجديدة، وآرائه العلمية القيّمة تلك، في تقريرات كثير من السادة والمشايخ العلماء من تلامذته الافاضل، والتي تعتبر اليوم من أمهات المصادر الفقهية والاصولية الحديثة للباحثين والعلماء، مما لا يستغني منها الاساتذة والطلاب معاً، وعليها يدور رحى البحوث والدروس في هذين الحقلين في جميع الحوزات الدينية المعروفة.

ومن تلك البحوث التي عُرضت على سماحته وأجاز طبعها هي:

1 ـ التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقرير الشيخ ميرزا علي الغروي، عشرة أجزاء (فقه).

2 ـ تحرير العروة الوثقى، تقرير الشيخ قربانعلي الكابلي (قده)، جزء واحد (فقه).

3 ـ دروس في فقه الشيعة، تقرير السيد محمد مهدي الخلخالي، أربعة أجزاء (فقه).

4 ـ محاضرات في اصول الفقه، تقرير الشيخ محمد اسحاق الفياض، خمسة أجزاء (اصول).

5 ـ المستند في شرح العروة الوثقى، تقرير الشيخ مرتضى البروجردي (قده)، عشرة أجزاء (فقه).

6 ـ الدرر الغوالي في فروع العلم الاجمالي، تقرير الشيخ رضا اللطفي، جزء واحد (اصول).

7 ـ مباني الاستنباط، تقرير السيد ابو القاسم الكوكبي (قده)، أربعة أجزاء (اصول).

8 ـ مصباح الفقاهة، تقرير الشيخ محمد علي التوحيدي (قده)، ثلاثة أجزاء (فقه).

9 ـ مصابيح الاصول، تقرير السيد علاء الدين بحر العلوم، جزء واحد (اصول).

10ـ المعتمد في شرح المناسك، تقرير السيد محمد رضا الخلخالي، خمسة أجزاء (فقه).

11ـ مصباح الاصول، تقرير السيد محمد سرور البهسودي (قده)، جزءان (اصول).

12ـ مباني العروة الوثقى، تقرير الشهيد السيد محمد تقي الخوئي (قده)، أربعة أجزاء(فقه).

13ـ دراسات في الاصول العملية، تقرير السيد علي الحسيني الشاهرودي (قده)، جزء واحد (اصول).

14ـ فقه العترة في زكاة الفطرة، تقرير الشهيد السيد محمد تقي الجلالي (قده)، جزء واحد (فقه).

15ـ الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، تقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان (قده)، جزء واحد (فقه).

16ـ محاضرات في الفقه الجعفري، السيد علي الحسيني الشاهرودي (قده)، ثلاثة أجزاء (فقه).

17ـ جواهر الاصول، تقرير الشيخ فخر الدين الزنجاني، جزء واحد (اصول).

18ـ الأمر بين الأمرين، في مسألة الجبر والاختيار، تقرير الشيخ محمد تقي الجعفري، جزء واحد (اصول).

19ـ الرضاع، تقرير السيد محمد مهدي الخلخالي والشيخ محمد تقي الايرواني، جزء واحد (فقه).

مرجعيته

تدرج سماحته في نبوغه طالباً للعلم، فأستاذاً، ثم مجتهداً ومحققاً يعدّ المجتهدين، فما أن التحق في عنفوان شبابه بدروس الخارج وتقرير بحوث أساتذته على زملائه، سرعان ما عقب شيوخه في أروقة العلم، بالتصدي لتدريس بحث الخارج، فانهالت عليه هجرة طالبي العلم من كل مكان، وقلدته المرجعية العليا جميع مسؤولياتها وشؤونها،حتى أصبح زعيمها دون منازع، ومرجعاً أعلى للمسلمين الشيعة، يقلده ملايين المؤمنين من أتباع مذهب الامامية في مختلف بقاع العالم، وطبعت رسائله العملية لبيان الاحكام الشرعية لمقلديه وبعدة لغات، وتلك بفضل نبوغه وتضلعه في مختلف العلوم الاسلامية، وبلوغه الغاية من التقوى، وألمعيته في إدارة الحوزات، واهتمامه البالغ برفع مستوى العلماء، علمياً ومعيشيا، وفي رعايته للمسلمين عموما.فكان (قده) منذ أيامه الاولى يُعدّ بحق، زعيمها الواعد، حتى أصبح رمزا بارزاً من رموز المرجعية الرشيدة، وعلماً من أعلام الاسلام، يخفق على قمة الحوزات العلمية في كل مكان.

خدماته الاجتماعية

لم تتوقف قضية الخدمة والاهتمام بالشؤون الاجتماعية لديه عند حد دون حد، او بلد دون بلد بل كان للامة بحق بمثابة الاب المشفق على ابنائه والمرجع الاعلى لهم، ومثلاً لقيادة أهل البيت عليهم السلام، الذين هم خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله، الذي يصفه الله تعالى بقوله {بالمؤمنين رؤوف رحيم}، وقد تجلت هذه المشاعر الابوية بشكل عملي واضح في كل يوم من ايام حياته الشريفة، وخصوصاً في المحن والشدائد التي حفل بها تاريخ هذه الامة المعاصر.

 

كان الامام الراحل يحمل بين جنبيه قلباً كبيراً يتحرق ويتألم لمعاناة المسلمين، ولم يكتف بالتحرق الصادق بل قام بكل ما كان بوسعه لمساعدتهم عملياً، وتخفيف معاناتهم.وكان رضوان الله تعالى عليه يتابع بنفسه اخبار المسلمين ويصرف وقتاً غير قليل من وقته الثمين، لمتابعة اهم الاخبار التي تتعلق بالاسلام والمسلمين.وطالما كان يؤرق ويترك النوم جرّاء حادثة محزنة يُمنى بها المسلمون هنا او هناك.ويمكن تناول خمسة محاور رئيسية لتوضيح اهتمام ورعاية الامام الراحل بشؤون الا

أولاً : الحوزات العلمية

لقد تجاوزت رعاية الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه للحوزات العلمية كل الحدود السابقة التي كانت مألوفة قبل مرجعيته العامة.فبعد ان كان الاهتمام منصباً على رعاية طلاب ومدرسي حوزة النجف الاشرف وقم المقدسة والمشهد المقدس في خراسان، فقد توسع اهتمام الامام السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه ليشمل الحوزات العلمية في كل المدن العراقية والايرانية بتوسع أكثر، فشمل المدارس العلمية في باكستان والهند، ثم تايلند وبنغلاديش، ثم افريقيا، ثم اوروبا وامريكا.

وكذلك من جانب الرعاية المالية حيث لم تشهد الحوزات العلمية ازدهاراً معاشياً في عصورها المختلفة كما شهدت تحت رعاية الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه.

ومن جانب التوسع الكمي والكيفي الذين شهدتهما الحوزات العلمية تحت توجيهاته ورعايته، فيكفي ذكر انه أمر بأنشاء عشرات المدارس العلمية التي أصبحت مراكز للتعليم والتعلم في بلاد كثيرة، نذكر بعضا منها في بلاد الهند وبنغلادش، كمدرسة صاحب الزمان في كهولنا ـ بنغلاديش، ومدرسة أهل البيت في هوگلي ـ البنغال الغربية، ومدرسة أمير المؤمنين التي تعد اليوم نموذجاً للحوزات العلمية في تلك البلاد، ومدرسة الامام الباقر عليه السلام في بهيوندي، ومدرسة الامام المهدي في علي پور، والمدرسة الايمانية في نبراس، والحوزة العلمية في حيدر آباد، بالاضافة الى كثير من المدارس المنتشرة في أنحاء البلاد الهندية التي انشئت بأمره، أو التي تم احياؤها بعد أن اضمحلت بسبب صروف الدهر.

ولن ينسى أربعون مليون مسلم شيعي في الهند، أن الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه، كان محيي الحوزات العلمية والمراكز الدينية وباعث النهضة الاسلامية الجديدة في ربوع تلك البلاد الواسعة.

واما في باكستان فقد تأسست العشرات من المدارس العلمية وازدهرت عشرات أخرى بسبب الاهتمام الكبير الذي اولاه هذا المرجع العظيم، وفي افريقيا انشئت بأمره وتحت رعايته مدارس علمية في عدة بلدان، خرجت وتخرج المبلغين الكثر الذين يرشدون الناس الى دين الحق.وفي بريطانيا انشئت مدرسة السيد الخوئي في لندن للدراسات الحوزوية، وفي امريكا الشمالية انشئت المدرسة الدينية في مدينة مداينا.وكذلك في لبنان وسوريا وتركيا، فان رعاية سماحة الامام الراحل عبر وكلاءه قد أدت الى تطور كبير في وضع طلبة العلوم الدينية في تلك البلاد، مضافاً لما قدمه من خدمات جليلة وما أضفى على الحوزات العلمية الرئيسية ومدارسها ومكتباتها ووضع طلابها وأساتذتها كحوزة النجف الاشرف وحوزة قم المقدسة وحوزة المشهد الرضوي، بتوابعها المختلفة المتعددة، التي تعتبر اليوم أساس وقوام الحوزات الدينية للطائفة.

وباختصار يمكن القول بأن الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه، كان رائد النهضة العلمية الحديثة وراعيها في العالم الاسلامي الشيعي المعاصر من دون منازع.

ثانياً : المشاريع

لقد كان الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه ينتظر لسنوات طويلة ان تتوفر لديه الامكانات اللازمة لانشاء مشاريع كبيرة يستمر نفعها الى الاجيال القادمة وتتسع دائرة الاستفادة منها الى ابعد حد ممكن.كان ذلك ادراكاً منه بطبيعة ظروف هذا العصر، وضرورة انشاء المشاريع التي ترفع شأن المؤمنين وتوفر لهم مصدراً ومركزاً باقياً من مراكز النفع العام، فتوجه رضوان الله تعالى عليه الى انشاء مدينة متكاملة لطلاب العلم ومدرسي الحوزة العلمية في قم المقدسة وهي اليوم مدينة شامخة باسم «مدينة العلم» وهي غنية عن التعريف لشهرتها وذيوع صيتها في اوساط أهل العلم.

كما أنشيء بأمره رضوان الله تعالى عليه، مدرسة علمية في مدينة مشهد المقدسة تعد أكبر مدرسة علمية حوزوية في العالم الشيعي أجمع، وهي عماد ومركز الحوزة في الوقت الحاضر.وفي لبنان كان مشروعه الكبير المعروف باسم "مبرة الامام الخوئي" داراً للايتام، تضم اليوم أكثر من الف ومائتي يتيم ويتيمة، يعيشون منعمين بوسائل الراحة والرعاية، وقد شهدت بعض المنظمات الدولية المتخصصة، لهذه المبرة، بأنها من أفضل دور رعاية الايتام في منطقة الشرق الاوسط.

ومضافا لما ذكر في الهند، فقد تفضل رضوان الله تعالى عليه بالامر بانشاء مجمع ثقافي ضخم قرب مدينة بومبي على مساحة من الارض تقارب المليون قدم مربع، يعد أكبر مشروع اسلامي شيعي في العالم على الاطلاق، يشمل مدارس وثانويات وكليات أكاديمية، ومدارس حوزوية، ومعاهد مهنية، ومستشفى كبيراً، ومسجداً ضخماً وتوابع كثيرة، تجعل من المشروع مدينة متكاملة.

وهذا المشروع الثقافي الخيري الاسلامي العملاق لوحده كاف لبيان عظمة الامام الراحل وسعة افقه وبعد نظره، وعلوّ همته.كما وقد أمر رضوان الله تعالى عليه بانشاء مشروع تعليمي ضخم آخر في مدينة اسلام آباد في باكستان.

كما وأن مشروع المركز الاسلامي للامام الراحل مشهور في نيويورك، ومعه مدرسة للاطفال التي أصبحت محط آمال المؤمنين هناك، لانها السبيل الوحيد لانقاذ أبنائهم من الضياع في ذلك المجتمع الملوث الفاسد.

وهناك مشاريع كثيرة تفضل سماحته بدعمها مادياً ومعنوياً منتشرة في أنحاء العالم كالمكتبات العامة والمشاريع المتعددة في العراق وباكستان والهند وتايلند وافريقيا وغيرها من البلاد.

وينبغي ان نوضح هنا جانباً هاماً آخر من جوانب رعاية سماحته رضوان الله تعالى عليه للمشاريع النافعة، وذلك عن طريق اجازاته السخية للمؤمنين بدفع الحقوق الشرعية المتعلقة بذمتهم للمشاريع الخيرية العامة مباشرة، ولانبالغ اذا قلنا ان الالوف من المدارس والمساجد والحسينيات ودور الايتام والمستشفيات والمستوصفات وغيرها من مشاريع الخير لم تكن لتنجح وتتطور لولا اجازات سماحته ودعمه المادي والمعنوي لها، وهي منتشرة في أنحاء المعمورة، ويحتاج رصدها الى كتاب ضخم.

كما ان رعايته رضوان الله تعالى عليه للامة تجاوزت ذلك الحد وتعدته الى تشجيعه للرجال المخلصين أن ينظموا صفوف الامة وينضموا أعمالها ومشاريعها وخدماتها.فكان رحمه الله تعالى، يشجع كثيراً ويؤكد على (تنظيم الامور) في الاعمال الدينية والخيرية والاجتماعية.ولقد لقيت منه الجمعيات الشيعية المعروفة والنشيطة في مختلف البلدان كل الدعم والاسناد والتأييد، بل أجاز بعضها باستلام الحقوق الشرعية وصرف جزء منها في المشاريع النافعة للامة.

وكم هو ضروري لنا وللعاملين جميعاً الاستمرار على هدي مرجعنا الاعلى الراحل رضوان الله تعالى عليه، والسير قدماً في تنظيم صفوف المسلمين وأتباع أهل البيت عليهم السلام وتنسيق جهودهم، ففي ذلك عزهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.

ثالثاً : مواقفه في معالجة أضرار الكوارث الطبيعية

كان الامام الخوئي رضوان الله تعالى عليه سباقاً لاغاثة الملهوفين ونجدة المنكوبين في أية بقعة من بقاع الارض يسكنها اتباع آل البيت ويتوطن فيها التشيع، وليس أدل على ذلك موقفه الرائع لاغاثة المنكوبين في الزلزال الاخير الذي ضرب أجزاء من شمال ايران، حتى أسعفهم بمبلغ تجاوز المليون دولار أمريكي لاعادة الاعمار وبناء وتعمير المدارس والمنازل والمرافق العامة والقرى المتضررة.وكذلك 

مساعدته الفورية لمنكوبي الخسف الذي أصاب گرگيل في كشمير قبل بضع سنوات، وكذلك مساعدته لضحايا الجفاف في الهند.

رابعاً : مواقفه في الازمات والمحن

كان حريصاً على ان يتابع الازمات والمحن التي يتعرض لها المؤمنون والمسلمون في انحاء الارض ويسعى بكل جهده لمساعدتهم.ففي ايام الحرب العراقية الايرانية قدم رضوان الله تعالى عليه لمنكوبي ومشردي الحرب كل انواع الرعاية والمساعدات الممكنة.

وكان في الوقت نفسه طوداً شامخاً امام الظالم الطاغية الذي حاول بكل وسائل الضغط والايذاء ان ينتزع منه ولو كلمة واحدة لصالح نظامه الجائر فلم يفلح، وانتصر الصبر الحسني والجهاد الراسخ للامام الراحل رضوان الله تعالى عليه على ظلم الطاغية ودهائه، خصوصاً ان المعونات والخدمات كانت متواصلة في المدن على طرفي النزاع تقدم المساعدات وتقدم الخدمات للمتضررين المقهورين في ايران والعراق طوال ثمان سنوات من الحرب وبعدها.

وكان موقفه رضوان الله تعالى عليه من محنة المسلمين في افغانستان واضحاً جلياً، فقد قدم كل انواع الدعم، حتى انه اجاز المؤمنين بدفع الحقوق الشرعية لتمويل عمليات الجهاد ضد الغزاة السوفيت.وكان رضوان الله تعالى عليه يرسل مبالغ كبيرة مباشرة لدعم جهاد المؤمنين الافغان ضد الكفار.

وفي لبنان وفلسطين كان الامام رضوان الله تعالى عليه يشجب باستمرار اعمال اعداء الاسلام، ويستنهض المسلمين لجمع صفوفهم في مواجهة عدوهم، وكان اضافة الى ذلك يرعى فقراء لبنان بتوزيع المواد الغذائية عليهم، ويدعم الوجود الاسلامي لهم بكل الوسائل الممكنة.

كما وفي أثناء غزو الكويت من قبل النظام الجائر في العراق عام 1990م، كان للامام الراحل رضوان الله تعالى عليه أروع المواقف في احتضان أبناء الكويت المشردين والمنكوبين، فقد أمر وكلاءه في كافة البلاد التي تواجدوا فيها، لاحتضان أبناء الكويت المشردين من بلادهم، وبدفع مبالغ كافية لرعاية شؤونهم وعوائلهم، الى ان انجلت الازمة، وأصدر فتواه الشهيرة إبان الغزو الغاشم، بحرمة الاستفادة او البيع والشراء من مسروقات الكويت، وهو يرزخ في العراق تحت سلطة النظام الجائر الذي لا يرحم.

وكذلك موقفه الخيّر في مساعدة المظلومين من المهجرين العراقيين قبل الانتفاضة الاخيرة وبعدها في الخارج، ورعاية أهليهم في الداخل، وغير ذلك من المواقف التي تثبت أنه كان رضوان الله تعالى عليه، كهفاً يلوذ به اللائذون ويلجأ اليه المؤمنون.

خامساً : تأسيس مؤسسة الامام الخوئي الخيرية

أمر سماحة الامام الراحل رضوان الله تعالى عليه بتأسيس مؤسسة خيرية عالمية مسجلة رسمياً، تجاوباً مع إحساسه بضرورة إرساء قواعد مؤسسات قوية قادرة على تقديم خدمات مستمرة للمؤمنين.فلقد كانت المرجعيات الدينية تبني بنيانها وترعاه، حتى اذا توفي المرجع توقف النمو وتراجع تدريجياً.بينما تقوم مؤسسة الامام الخوئي الخيرية بوضعها الشرعي والقانوني اليوم برعاية المشاريع الكبرى التي اسسها سماحة الامام رضوان الله تعالى عليه، وهي مؤهلة للاستمرار لوقت طويل جداً ان شاء الله تعالى في خدمة المسلمين.

ان تأسيس هذه المؤسسة بادرة مباركة ترسي مشاريع الطائفة على اسس قوية وتكفل لها الاستمرار والتطور، وهي انجاز رائع وخطوة شجاعة قام بها المرجع الاعلى الذي ترك لهذه الامة تراثاً ضخماً من العلم والعلماء، والمساجد والمدارس، والمشاريع النافعة...وفوق كل ذلك المباديء العظيمة التي عاش من اجلها وكرس كل حياته الشريفة لها...الا وهي إعلاء كلمة الله تعالى ورفع راية محمد وآل محمد صلوات الله تعالى عليهم، وخدمة المؤمنين

 

نفحات من حياة الامام الخوئي