( 134 )
22
* (باب) *
* " (جمل تواريخه وأحواله وحليته ومبلغ عمره وشهادته ودفنه) " *
* " (وفضل البكاء عليه صلوات الله عليه) " *
1 كا: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان في سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة وروي أنه ولد في سنة ثلاث ومضى (عليه السلام) في شهر صفر، في آخره من سنة تسع وأربعين ومضى وهو ابن سبع وأربعين سنة وأشتهر (1).
2 يب: ولد (عليه السلام) في شهر رضمان سنة اثنتين من الهجرة، وقبض بالمدينة مسموما في صفر سنة تسع وأربعين من الهجرة، وكان سنه يومئذ سبعا وأربعين سنة.
أقول: قال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد (عليه السلام) بالمدينة يوم الثلثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة وقال المفيد: سنة ثلاث وقبض بها مسموما يوم الخميس سابع صفر سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع وأربعين أو ثمان.
وقال الكفعمي: ولد (عليه السلام) في يوم الثلثاء منتصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي يوم الخميس سابع (شهر) صفر سنة خمسين من الهجرة، ونقش خاتمه " العزة لله " وكان له خمسة عشر ولدا وكانت أزواجه أربعة وستين عدا
الجواري وكان بابه سفينة.
3 قب: ولد الحسن (عليه السلام) بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان عام احد سنة ثلاث من الهجرة، وقيل سنة اثنتين، وجاءت به فاطمة (عليها السلام) إلى النبي (صلى الله عليه واله) يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة، وكان جبرئيل نزل بها إلى النبي (صلى الله عليه واله) فسماه حسنا، وعق عنه كبشا، فعاش مع جده سبع سنين وأشهرا وقيل ثمان سنين
_______________
(1) الكافى ج 1 ص 461، وهو من كلام الكلينى قدس سره.
===============
( 135 )
ومع أبيه ثلاثين سنة، وبعد تسع سنين، وقالوا: عشر سنين.
وكان (عليه السلام) ربع القامة، وله محاسن كثة (1) وبويع بعد أبيه يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان في سنة أربعين، وكان أمير جيشه عبيدالله بن العباس ثم قيس بن سعد بن عبادة، وكان عمره لما بويع سبعا وثلاثين سنة فبقي في خلافته أربعة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية في سنة إحدى وأربعين، وخرج الحسن إلى المدينة فأقام بها عشر سنين.
وسماه الله الحسن وسماه في التوراة شبرا، وكنيته أبومحمد، وأبوالقاسم وألقابه: السيد، والسبط، والامين (2) والحجة، والبر، والتقي، والاثير والزكي، والمجتبى، والسبط الاول، والزاهد، وامه فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) وظل مظلوما. ومات مسموما، وقبض بالمدينة بعد مضي عشر سنين من ملك معاوية فكان في سني إمامته أول ملك معاوية.
فمرض أربعين يوما ومضى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وقيل: سنة تسع وأربعين، وعمره سعبة وأربعون سنة وأشهر، وقيل: ثمان وأربعون وقيل: في سنة تمام خمسين من الهجرة.
وكان بذل معاوية لجعدة بنت محمد بن الاشعث الكندي وهي ابنة ام فروة اخت أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار، وإقطاع عشرة ضياع من سقي سورا (3)
وسواد الكوفة، على أن تسم الحسن (عليه السلام) وتولى الحسين (عليه السلام) غسله وتكفينه ودفنه وقبره بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد (4).
_______________
(1) يقال: كث اللحية: اذا اجتمع شعرها وكثر نبته وجعد من غير طول.
(2) في المصدر: الامير.
(3) قال الفيروزآبادى: سورى كطوبى موضع بالعراق وهو من بلد السريانين.
(4) راجع المناقب ج 4 ص 28 و 29. أقول: قال ابن الاثير: كان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس سقته السم فكان توضع تحته طست وترفع اخرى نحو أربعين يوما فمات منه، ولما اشتد مرضه قال لاخيه الحسين: يا أخى سقيت السم ثلاث
===============
( 136 )
4 كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: أصح ما قيل في ولادته (عليه السلام) أنه ولد بالمدينة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وكان والده علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد بنى بفاطمة (عليها السلام) في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة فكان الحسن (عليه السلام) أول أولادها، وقيل: ولدته لستة أشهر، والصحيح خلافه ولما ولد (عليه السلام) واعلم به النبي (صلى الله عليه واله) أخذه وأذن في اذنه ومثل ذلك روى الجنابذي أبومحمد عبدالعزيز بن الاخضر، وروى ابن الخشاب أنه ولد (عليه السلام) لستة أشهر ولم يولد لستة أشهر مولود فعاش إلا الحسن (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام).
وروى الدولابي في كتابه المسمى كتاب الذرية الطاهرة، قال: تزوج علي فاطمة (عليهما السلام) فولدت له حسنا بعد احد بسنتين وكان بين وقعة احد وبين مقدم النبي (صلى الله عليه واله) المدينة سنتان وستة أشهر ونصف، فولدته لاربع سنين وستة أشهر ونصف من التاريخ، وبين احد وبدر سنة ونصف، وروي أنها (عليها السلام) ولدته في شهر رمضان سنة ثلاث وروي أنه ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث.
وكنيته: أبومحمد وروي أن رسول الله (صلى الله عليه واله) عق عنه بكبش وحلق رأسه وأمر أن يتصدق بزنته فضة، وروي أن فاطمة (عليها السلام) أرادت أن تعق عنه بكبش فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): لا تعقي عنه، ولكن احلقي رأسه ثم تصدقي بوزنه من الورق في سبيل الله عزوجل.
ومنه عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه واله) عق عن الحسن كبشا وعن الحسين كبشا.
وقال الكنجي الشافعي في كتاب كفاية الطالب: الحسن بن علي كنيته أبومحمد، ولد بالمدينة ليلة النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، كان أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه واله) (1).
_______________
مرات، لم أسق مثل هذه انى لاضع كبدى، قال الحسين: من سقاك يا أخى؟ قال: ما سؤالك عن هذا؟ تريد أن تقاتلهم؟ أكلهم إلى الله عزوجل.
(1) راجع كشف الغمة ج 2 ص 80 82.
===============
( 137 )
وروى مرفوعا إلى أحمد بن محمد بن أيو ب المغيري قال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) أبيض مشربا حمرة، أدعج العينين، سهل الخدين، دقيق المسربة كث اللحية، ذا وفرة، وكأن عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس، وبعيد ما بين المنمكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحا من أحسن الناس وجها، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر، حسن البدن.
وعن علي (عليه السلام) قال: أشبه الحسن رسول الله (صلى الله عليه واله) ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي (صلى الله عليه واله) ما كان أسف من ذلك (1).
بيان: الدعج شدة سواد العين مع سعتها، قوله: سهل الخدين: أي سائل الخدين غير مرتفع الوجنتين، والمسربة بضم الراء ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف (2) وكث الشئ أي كثف، والوفرة الشعرة إلى شحمة الاذن، وكل عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس.
5 كشف: قال عبدالعزيز بن الاخضر الجنابذي (3) توفي (عليه السلام) وهو ابن خمس وأربعين سنة، وولي غسله الحسين ومحمد والعباس إخوته، وصلى عليه سعيد بن العاص في سنة تسع وأربعين (4).
_______________
(1) المصدر ج 2 ص 94 وما بعده ص 90 نقلا عن كمال الدين ابن طلحة.
(2) قال الجوهري: المسربة بضم الراء: الشعر المستدق الذى يأخذ من الصدر إلى السرة، ولفظ غيره: " إلى البطن ". وقول المصنف قدس سره: " إلى الجوف " لا يعرف.
(3) في المصدر ج 2 ص 161 هكذا: وروى أيضا أنه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفى (عليه السلام) الخ. وفى نسبة القول إلى الجنابذى ترديد فراجع.
(4) كان سعيد بن العاص حينذاك واليا على المدينة، وكان سيرة المسلمين أن يقدموا الخليفة أو واليه على زعمهم بانه اولى بالمؤمنين لاجل البيعة ليصلى على جنائزهم فقدمه الحسين (عليه السلام) ليصلى على أخيه، وقال: لولا أنها السنة لما قدمتك. كذا في كتب التراجم.
===============
( 138 )
وقال الحافظ في الحلية وري عن عمر بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي (عليهما السلام) نعوده فقال: يا فلان سلني قال: لا والله لا أسالك حتى يعافيك الله ثم نسألك، قال: ثم دخل (الخلاء) ثم خرج إلينا فقال: سلني قبل أن لا تسألني، قال: بل يعافيك الله ثم لنسألك، قال: ألقيت طائفة من كبدي وإني قد سقيت السم مرار فلم اسق مثل هذه المرة.
ثم دخلت عليه من الغد، وهو يجود بنفسه، والحسين عند رأسه، فقال: يا أخي من تتهم؟ قال: لم؟ لتقتله؟ قال: نعم، قال: إن يكن الذي أظن فانه أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإلا يكن فما احب أن يقتل بي برئ، ثم قضى (عليه السلام).
وعن رقية بن مصقلة، قال: لما حضر الحسن بن علي (الموت) قال: أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت السماء، يعني الآيات، فلما اخرج به قال:
اللهم إني أحتسب نفسي عندك، فانها أعز الانفس علي، وكان له مما صنع الله له أنه احتسب نفسه (1).
بيان: قوله (عليه السلام): اللهم إني أحتسب نفسي عندك أي أرضى بذهاب نفسى وشهادتي، ولا أطلب القود طالبا لرضاك أو أطلب منك أن تجعلها عندك في محال القدس.
6 نص: محمد بن وهبان، عن داود بن الهيثم، عن جده إسحاق بن بهلول
(عن أبيه بهلول) بن حسان، عن طلحة بن زيد الرقي، عن الزبير بن عطاء، عن عمير بن ماني العبسي، عن جنادة بن أبي امية قال: دخلت على الحسن بن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله (2) فقلت: يا مولاي
_______________
(1) المصدر ج 2 ص 142 و 162.
(2) فيه غرابة حيث ان الكبد اذا ذابت أثفلت إلى الامعاء وخرجت كالدم، وليس تصعد إلى المعدة حتى تقذف بها من الفم. والصحيح ما قد سمعت في سائر الاحاديث أنه كان يوضع تحته طست وترفع اخرى نحو أربعين يوما وأنه (عليه السلام) قال: " انى لاضع
===============
( 139 )
مالك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبدالله بماذا اعالج الموت؟ قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم التفت إلي فقال: والله لقد عهد إلينا رسول الله (صلى الله عليه واله) أن هذا الامر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي وفاطمة، مامنا إلا مسموم أو مقتول، ثم رفعت الطست وبكى صلوات الله عليه وآله.
قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول الله، قال: نعم استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك.
واعلم أن في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة، خذ منها ما يكفيك، فان كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر، فأخذت كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فان العتاب يسير.
واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، وإذا أردت عزا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عزوجل، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدق قولك وإن صلت شد صولك (1) وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت عنك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت إحدى الملمات به ساءك.
_______________
كبدى " وظاهره خروج الكبد ثافلا، وأظن القصة أنها قد اختلطت على افهام الرواة فنقلوها كذلك مع ضعف سندها.
(1) الصول: السطوة والاستطالة يقال: صال على قرنه يصول: اذا سطا عليه وقهره حتى يذل له.
===============
( 140 )
من لا تأتيك منه البوائق، ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسما آثرك.
قال: ثم انقطع نفسه واصفر لونه، حتى خشيت عليه، ودخل الحسين (عليه السلام) والاسود بن أبي الاسود فانكب عليه حتى قبل رأسه وبين عينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعا، فقال أبوالاسود: إنا لله إن الحسن قد نعيت إليه نفسه.
وقد أوصى إلى الحسين (عليه السلام) وتوفي يوم الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة، وله سبعة وأربعون سنة ودفن بالبقيع.
7 عيون المعجزات للمرتضى رحمه الله: كان مولده بعد مبعث رسول الله (صلى الله عليه واله) بخمسة عشر سنة وأشهر، وولدت فاطمة أبا محمد (عليه السلام) ولها أحد عشر سنة كاملة، وكانت ولادته مثل ولادة جده وأبيه صلى الله عليهم: وكان طاهرا مطهرا يسبح ويهلل في حال ولادته، ويقرأ القرآن على ما رواه أصحاب الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه واله) أن جبرئيل ناغاه في مهده، وقبض رسول الله (صلى الله عليه واله) وكان له سبع سنين وشهور، وكان سبب مفارقة أبي محمد الحسن (عليه السلام) دار الدنيا وانتقاله إلى دار الكرامة على ما وردت به الاخبار أن معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الاشعث زوجة أبي محمد (عليه السلام) عشرة آلاف دينار وإقطاعات (1) كثيرة من شعب سورا، وسواد الكوفة، وحمل إليها سما فجعلته في طعام فلما وضعته بين يديه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين، وأبي سيد الوصيين، وامي سيدة نساء العالمين، وعمي جعفر الطيار في الجنة، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.
ودخل عليه أخوه الحسين صلوات الله عليه فقال: كيف تجد نفسك؟ قال: أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة على كره مني لفراقك وفراق إخوتي.
ثم قال: أستغفر الله على محبة مني للقاء رسول الله (صلى الله عليه واله) وأمير المؤمنين وفاطمة وجعفر وحمزة (عليهم السلام).
ثم أوصى إليه وسلم إليه الاسم الاعظم، ومواريث الانبياء (عليهم السلام) التي كان
_______________
(1) جمع إقطاعة: طائفة من أرض الخراج يقطع لاحد وتجعل غلتها رزقا له.
===============
( 141 )
أمير المؤمنين (عليه السلام) سلمها إليه، ثم قال: يا أخي إذا [أنا] مت فغسلني وحنطني و كفني واحملني إلى جدي (صلى الله عليه واله) حتى تلحدني إلى جانبه، فان منعت من ذلك فبحق جدك رسول الله وأبيك أمير المؤمنين وامك فاطمة الزهراء (عليهم السلام) أن لا تخصام أحدا، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع حتى تدفني مع امي (عليها السلام).
فلما فرغ من شأنه وحمله ليدفنه مع رسول الله (صلى الله عليه واله) ركب مروان بن الحكم طريد رسول الله (صلى الله عليه واله) بغلة وأتى عائشة فقال لها: يا ام المؤمنين إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله (صلى الله عليه واله) والله إن دفن معه ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة قالت: فما أصنع يا مروان؟ قال: الحقي به وامنعيه من أن يدفن معه قال: وكيف الحقه؟ قال: اركبي بغلتي هذه.
فنزل عن بغلته وركبتها وكانت تؤز الناس وبني امية على الحسين (عليه السلام) وتحرضهم على منعه مما هم به فلما قربت من قبر رسول الله (صلى الله عليه واله) وكان قد وصلت جنازة الحسن فرمت بنفسها عن البغلة وقالت: والله لا يدفن الحسن ههنا أبدا أو تجز هذه وأومت بيدها إلى شعرها فأراد بنو هاشم المجادلة فقال الحسين (عليه السلام):
الله الله لا تضيعوا وصية أخي، واعدلوا به إلى البقيع فانه أقسم علي إن أنا منعت من دفنه مع جده (صلى الله عليه واله) أن لا اخاصم فيه أحدا وأن أدفنه بالبقيع مع امه (عليها السلام) فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها (عليها السلام).
فقام ابن عباس رضي الله عنه وقال: يا حميراء ليس يومنا منك بواحد، يوم على الجمل ويوم على البغلة، أما كفاك أن يقال " يوم الجمل " حتى يقال " يوم البغل " يوم على هذا ويوم على هذا، بارزة عن حجاب رسول الله (صلى الله عليه واله) تريدين إطفاء نور الله والله متم نوره ولو كره المشركون إنا لله وإنا إليه راجعون فقالت له: إليك عني واف لك ولقومك.
وروي أن الحسن (عليه السلام) فارق الدنيا وله تسع وأربعون سنة وشهرا أقام مع رسول الله (صلى الله عليه واله) سبع سنين وستة أشهر، وباقي عمره مع أمير المؤمنين (1).
_______________
(1) بل عاش مع أبيه ثلاثين وبعده أيام معاوية عشر سنين كما مر تحت الرقم 2.
===============
( 142 )
روي أنه دفن مع امه (عليها السلام) سيدة نساء العالمين في قبر واحد.
توضيح: " الاز ": التهييج والاغراء.
أقول: وقال ابن أبي الحديد: روى أبوالحسن المدائني أن مروان لما منع الحسن (عليه السلام) أن يدفن عند جده فاجتمع بنو هاشم وبنو امية وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤا بسلاح فقال أبوهريرة لمروان: أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.
8 كا: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي ابن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الاشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين، وابنته جعدة سمت الحسن، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين (عليهم السلام) (1).
9 كا: محمد بن الحسن، وعلي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:
لما احتضر الحسن بن علي صلواة الله عليهما قال للحسين (عليه السلام): يا أخي إني أوصيك بوصية فاحفظها، فإذا أنا مت فهيئني ثم وجهني إلى رسول الله (صلى الله عليه واله) لاحدث به عهدا ثم اصرفني إلى امي فاطمة (عليها السلام) ثم ردني فادفني بالبقيع. واعلم أنه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعا وعداوتها لله ولرسوله (صلى الله عليه واله) وعداوتها لنا أهل البيت.
فلما قبض الحسن (عليه السلام) وضع على سريره، وانطلق به إلى مصلى رسول الله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلي على الحسن (عليه السلام) فلما أن صلي عليه حمل فادخل المسجد، فلما اوقف على قبر رسول الله بلغ عائشة الخبر وقيل لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن بن علي (عليهما السلام) ليدفن مع رسول الله (صلى الله عليه واله)، فخرجت
_______________
(1) الكافى (الروضة) ج 8 ص 167.
===============
( 143 )
مبادرة على بغل بسرج، فكانت أول امرأة ركبت في الاسلام سرجا، فوقفت فقالت:
نحوا ابنكم عن بيتي، فانه لا يدفن فيه شئ، ولا يهتك على رسول الله (صلى الله عليه واله) حجابه.
فقال لها الحسين بن علي صلوات الله عليهما: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله (صلى الله عليه واله) وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله (صلى الله عليه واله) قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة، إن أخي أمرني أن اقربه من أبيه رسول الله (صلى الله عليه واله) ليحدث به عهدا.
واعلمي أن أخي أعلم الناس بالله ورسوله، وأعلم بتأويل كتابه من أن يهتك على رسول الله (صلى الله عليه واله) ستره لان الله تبارك وتعالى يقول: " ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) وقد أدخلت أنت بيت رسول الله (صلى الله عليه واله) الرجال بغير إذنه، وقد قال الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " (2) ولعمري لقد ضربت أنت لابيك وفاروقه عند اذن رسول الله (صلى الله عليه واله) المعاول، وقال الله عزوجل: " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " (3). ولعمري لقد أدخل أبوك وفاروقه على رسول الله (صلى الله عليه واله) بقربهما منه الاذى، وما رعيا من حقه ما أمرهما الله به على لسان رسول الله (صلى الله عليه واله) إن الله حرم على المؤمنين أمواتا ماحرم منهم أحياء.
وتالله يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه صلوات الله عليهما جائزا فيما بيننا وبين الله، لعلمت أنه سيدفن وإن رغم معطسك.
قال: ثم تكلم محمد ابن الحنفية وقال يا عائشة: يوما على بغل، ويوما على جمل فما تملكين نفسك ولا تملكين الارض عداوة لبني هاشم، قال: فأقبلت عليه فقالت:
يا ابن الحنفية هؤلاء الفواطم يتكلمون فما كلامك؟ فقال لها الحسين: وأنى تبعدين
_______________
(1) الاحزاب: 53.
(2 و 3) الحجرات: 2 و 3.
===============
( 144 )
محمدا من الفواطم، فو الله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ بن
عمرو بن مخزوم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وفاطمة بنت زائدة بن الاصم بن رواحة بن حجر بن [عبد] معيص بن عامر، قال: فقالت عائشة للحسين (عليه السلام):
نحوا ابنكم واذهبنوا به فانكم قوم خصمون، قال: فمضى الحسين (عليه السلام) إلى قبر امه ثم أخرجه فدفنه بالبقيع (1).
10 كا: سعد بن عبدالله، وعبدالله بن جعفر، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن الحسن بن سعيد، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قبض الحسن بن علي وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين، عاش بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) أربعين سنة (2).
11 د: في تاريخ المفيد: في يوم النصف من شهر رمضان لثمانية عشر شهرا من الهجرة: سنة بدر، كان مولد سيدنا أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام).
في كتاب دلائل الامامة: ولد (عليه السلام) في يوم النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وكذا في كتاب تحفة الظرفا، وكتاب الذخيرة.
في كتاب المجتبى في النسب: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان لثلاث من الهجرة بالمدينة قبل وقعة بدر بتسعة عشر يوما.
في كتاب التذكرة ولد (عليه السلام) في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة وفيها كانت غزاة أحد.
في كتاب مواليد الائمة: ولد (عليه السلام) في شهر رمضان سنة اثنين من الهجرة وفي رواية سنة ثلاث وقيل: يوم الثلثا النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة بالمدينة في ملك يزدجرد بن شهريار.
12 كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن
_______________
(1) الكافى ج 1 ص 302 وقد روى شطرا من أول الحديث ص 300 وبعض ألفاظه مختلف.
(2) الكافى ج 1 ص 461.
===============
( 145 )
سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، قال: إن جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي (عليهما السلام) وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم وأما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط به فمات (1).
بيان: نفطت الكف كفرح قرحت عملا أو مجلت وفي بعض النسخ انتقض.
13 أقول: روي في بعض تأليفات أصحابنا أن الحسن (عليه السلام) لما دنت وفاته ونفدت أيامه، وجرى السم في بدنه، تغير لونه واخضر، فقال له الحسين (عليه السلام):
ما لي أرى لونك مائلا إلى الخضرة؟ فبكى الحسن (عليه السلام) وقال: يا أخي لقد صح حديث جدي في وفيك، ثم اعتنقه طويلا وبكيا كثيرا.
فسئل (عليه السلام) عن ذلك؟ فقال: أخبرني جدي قال: لما دخلت ليلة المعراج روضات الجنان، ومررت على منازل أهل الايمان، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة إلا أن أحدهما من الزبرجد الاخضر، والآخر من الياقوت الاحمر، فقلت: يا جبرئيل لمن هذان القصران؟ فقال: أحدهما للحسن، والآخر للحسين (عليهما السلام).
فقلت: يا جبرئيل فلم لم يكونا على لون واحد؟ فسكت ولم يرد جوابا فقلت: لم لا تتكلم؟ قال: حياء منك، فقلت له: سألتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: أما خضرة قصر الحسن فانه يموت بالسم، ويخضر لونه عند موته، وأما حمرة قصر الحسين، فانه يقتل ويحمر وجهه بالدم.
فعند ذلك بكيا وضج الحاضرون بالكباء والنحيب.
وقال ابن أبي الحديد: روى أبوالحسن المدائني قال: سقي الحسن (عليه السلام) السم أربع مرات، فقال: لقد سقيته مرارا فما شق علي مثل مشقة هذه المرة.
وروى المدائني عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن (عليه السلام) أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين (عليه السلام): تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرعه الغيظ؟ قال مروان: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن
_______________
(1) الكافى باب مولد الحسن بن على (عليهما السلام) الرقم 4 (ج 1 ص 462).
===============
( 146 )
حلمه الجبال (1).
ثم قال: اختلف في سن الحسن (عليه السلام) وقت وفاته، فقيل: ابن ثمان وأربعين وهو المروي عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في رواية هشام بن سالم، وقيل: ابن ست وأربعين وهو المروي أيضا عن جعفر (عليهما السلام) في رواية أبي بصير، انتهى.
وقال أبوالفرج في مقاتل الطالبيين: اختلف في مبلغ سن الحسن (عليه السلام) وقت وفاته، فحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن علي بن إبراهيم بن حسن، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، وجميل بن دراج، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): أنه توفي وهو ابن ثمان وأربعين سنة. وحدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن حسن بن حسين اللؤلؤي، عن محمد بن سنان، عن عبدالله ابن مسكان، عن أبي بصير، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): أن الحسن توفي وهو ابن ست وأربعين سنة.
قال: وروى سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون وأن الحسن كذلك كانت سنوه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وأبوجعفر محمد بن علي (عليهم السلام)، حدثني بذلك العباس بن علي، عن أبي السائب سلم بن جنادة، عن وكيع، عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام).
قال أبوالفرج: وهذا وهم لان الحسن (عليه السلام) ولد في سنة ثلاث من الهجرة وتوفي سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنوه على هذا ثمان وأربعون أو نحوها (2).
_______________
(1) ونقله في المقاتل ص 53 أيضا عن المدائنى، ونقله في تذكرة خواص الامة ص 122 عن ابن سعد.
(2) راجع مقاتل الطالبيين ص 53 و 55. أقول: ونقل أبو الفرج في ص 51 عن أبى عبيد باسناده إلى اسماعيل بن عبدالرحمن انه أراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن على (عليه السلام) وسعد بن أبى وقاص، فدس اليهما سما فماتا منه.
===============
( 147 )
14 ج: عن الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدثني رجل منا قال: أتيت الحسن بن علي (عليهما السلام) فقلت: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه واله) أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا ما بقي [معك] رجل، فقال: ومم ذاك؟ قال: قلت: بتسلميك الامر لهذا الطاغية، قال: والله ما سلمت الامر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا.
قال: وهو يكلمني إذا تنخع الدم فدعا بطست فحمل من بين يديه ملآن مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له: ما هذا يا ابن رسول الله إني لاراك وجعا قال: أجل دس إلي هذا الطاغية من سقاني سما فقد وقع علي كبدي، فهو يخرج قطعا كما ترى، قلت: أفلا تتداوى؟ قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء.
ولقد رقي إلي أنه كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجه إليه من السم القتال شربة، فكتب إليه ملك الروم: أنه لايصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا، فكتب إليه: إن هذا ابن الرجل الذي خرج بأرض تهامة قد خرج يطلب ملك أبيه، وأنا اريد أن أدس إليه من يسقيه ذلك، فاريح العباد والبلاد منه، ووجه إليه بهدايا وألطاف، فوجه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي دس بها فسقيتها. واشترط عليه في ذلك شروطا.
وروي أن معاوية دفع السم إلى امرأة الحسن بن علي (عليهما السلام) جعدة بنت الاشعث
_______________
وروى عن أحمد بن عبيد الله بن عمار باسناده إلى مغيرة قال: أرسل معاوية إلى ابنة الاشعث: انى مزوجك بيزيد ابنى على أن تسم الحسن بن على، وبعث اليها بمائة ألف درهم فسوغها المال ولم يزوجها منه فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها فكان اذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم وقالوا يا بنى مسمة الازواج.
وروى مثل ذلك ابن عبدالبر المالكى في الاستيعاب راجع ج 1 ص 374 بذيل الاصابة.
===============
( 148 )
وقال لها: اسقيه، فاذا مات هو زوجتك ابني يزيد، فلما سقته السم ومات صلوات الله عليه، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون فقالت: زوجني يزيد، فقال: اذهبي فان امرأة لا تصلح للحسن بن علي (عليهما السلام) لا تصلح لابني يزيد (1).
15 مروج الذهب: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين (عليهم السلام) قال: دخل الحسين على عمي الحسن حدثان ما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال: سقيت السم عدة مرات، وما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي ورأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين (عليه السلام): يا أخي ومن سقاك؟ قال: وما تريد بذلك؟ فان كان الذي أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما احب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي صلوات الله عليه (2).
16 لى: ابن موسى، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه واله) كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال: إلي إلي يا بني فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى وساق الحديث إلى أن قال:
قال النبي (صلى الله عليه واله): وأما الحسن فانه ابني، وولدي، ومني، وقرة عيني وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجة الله على الامة أمره أمري، وقوله قولي من تبعه فانه مني، ومن عصاه فليس مني.
وإني لما نظرت إليه تذكرت ما يجري عليه من الذل بعدي، فلا يزال الامر به حتى يقتل بالسم ظلما وعدوانا فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شئ حتى الطير في جو السماء، والحيتان في جوف الماء
_______________
(1) الاحتجاج ص 149.
(2) وروى مثله ابن عبدالبر في الاستيعاب عن عمير بن اسحاق وقال: فلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: يا عجبا من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه.
===============
( 149 )
فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزل فيه الاقدام (1).
17 لى: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الاشعري عن أبي عبدالله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن سيف بن عميرة عن محمد بن عتبة، عن ممد بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا التفت إلينا فبكى فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي مما يصنع بكم بعدي، فقلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: أبكي من ضربتك على القرن، ولطم فاطمة خدها، وطعنة الحسن في الفخذ، والسم ألذي يسقى، وقتل الحسين.
قال: فبكى أهل البيت جميعا فقلت: يا رسول الله ما خلقنا ربنا إلا للبلاء قال: أبشر يا علي فان الله عزوجل قد عهد إلي أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (2).
18 - د: في تاريخ المفيد: ليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وأربعين من الهجرة كانت وفاة مولانا وسيدنا أبي محمد الحسن.
ومن كتاب الاستيعاب: اختلف في وقت وفاته فقيل: مات سنة تسع وأربعين وقيل [بل مات] في ربيع الاول سنة خمسين بعد ما مصى من خلافة معاوية عشر سنين، وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودفن بدار أبيه ببقيع الغرقد وصلى عليه سعيد بن العاص أمير المدينة قدمه أخوه الحسين (عليه السلام) وقال: لولا أنها سنة ما قمدتك، سمته امرأته جعدة ابنة الاشعث بن قيس، وقيل: جون بنت الاشعث، وكان معاوية بن أبي سفيان قد ضمن لها مائة ألف درهم وأن يزوجها ابنه يزيد إذا قتلته، فلما فعلت ذلك لم يف لها بما ضمن (3).
_______________
(1) المصدر: المجلس 24 الرقم 2.
(2) كتاب الامالى: ص 134 المجلس 28 الرقم 2.
(3) راجع الاستيعاب بذيل الاصابة ج 1 ص 376 وفيه: سمته امرأته بنت الاشعث بن
===============
( 150 )
في الدر: عمره خمس وأربعون سنة، وقيل: تسعة وأربعون وأربع شهور وتسعة عشر يوما، وقيل: كان مقامه مع جده (صلى الله عليه واله) سبع سنين، ومع أبيه (عليه السلام) ثلاثة وثلاثين سنة، وعاش بعده عشر سنين، فكان جميع عمره خمسين سنة.
19 لى، ن: الطالقان،، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما حضرت الحسن ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوفاة بكى فقيل: يا ابن رسول الله أتبكي ومكانك من رسول الله (صلى الله عليه واله) مكانك الذي أنت به، وقد قال فيك رسول الله (صلى الله عليه واله) ما قال، وقد حججت عشرين حجة ما شيا، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات، حتى النعل والنعل؟ فقال (عليه السلام): إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الاحبة (1).
20 ع: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إن الحسين ابن علي (عليهما السلام) أراد أن يدفن الحسن بن علي (عليهما السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه واله) وجمع جمعا فقال رجل سمع الحسن بن علي (عليهما السلام) [يقول:] قولوا للحسين أن لا يهرق في دما لولا ذلك ما انتهى الحسين (عليه السلام) حتى يدفنه مع رسول الله (صلى الله عليه واله).
وقال أبوعبدالله (عليه السلام): أول امرأة ركبت البغل بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) عائشة جاءت إلى المسجد فمنعت أن يدفن الحسن بن علي (عليهما السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه واله) وسلم. (2).
21 ب: أبوالبختري، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: إن الحسين بن علي (عليهما السلام) كان يزور قبر الحسن (عليه السلام) في كل عشية جمعة.
_______________
قيس الكندى وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدليس معاوية اليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر، فتأمل.
(1) الامالى: المجلس 39 الرقم 9. وروى مثله في كشف الغمة ج 2 ص 167 ولم يخرجه المصنف رحمه الله وهكذا ذكره ابن الجوزى في التذكرة ص 122 فراجع.
(2) المصدر ج 1 ص 215.
===============
( 151 )
22 ما المفيد، عن علي بن بلال، عن مزاحم بن عبدالوارث بن عباد، عن محمد بن زكريا الغلابي، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهلالي، عن عكرمة عن ابن عباس قال الغلابي: وحدثنا أحمد بن محمد الواسطي، عن عمر بن يونس عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: قال: وحدثنا عبيد الله بن الفضل الطائي، عن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، عن محمد بن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمد الواسطي عن محمد بن صالح، ومحمد بن الصلت قالا: حدثنا عمر بن يونس اليمامي، عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:
دخل الحسين بن علي (عليهما السلام) على أخيه الحسن بن علي (عليهما السلام) في مرضه الذي توفي فيه فقال له: كيف تجدك يا أخي؟ قال: أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، واعلم أني لا أسبق أجلي، وأني وارد على أبي وجدي (عليهما السلام) على كره مني لفراقك وفراق إخوتك، وفراق الاحبة وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه، بل على محبة مني للقاء رسول الله (صلى الله عليه واله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وامي فاطمة، وحمزة، وجعفر: وفي الله عزوجل خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك من كل مافات.
رأيت يا أخي كبدي في الطشت، ولقد عرفت من دها بي ومن أين أتيت فما أنت صانع به يا أخي؟ فقال الحسين (عليه السلام): أقتله والله، قال: فلا اخبرك به أبدا حتى نلقى رسول الله (صلى الله عليه واله)، ولكن اكتب يا أخي:
هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي: أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه يعبده حق عبادته، لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذل، وإنه خلق كل شئ فقدره تقديرا، وإنه أولى من عبد، وأحق من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى.
فانهي اوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن
===============
( 152 )
مسيئهم، وتقبل من محسنهم، وتكون لهم خلفا ووالدا، وأن تدفنني مع رسول الله (صلى الله عليه واله) فاني أحق به وببيته، ممن أدخل بيته بغير إذنه، ولا كتاب جاءهم من بعده، قال الله فيما أنزله على نبيه (صلى الله عليه واله) في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الاذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرف فيما ورثناه من بعده.
فان أبت عليك الامرأة فأنشدك الله بالقرابة التي قرب الله عزوجل منك والرحم الماسة من رسول الله (صلى الله عليه واله) أن تهريق في محجمة من دم، حتى نلقى رسول الله (صلى الله عليه واله) فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده، ثم قبض (عليه السلام).
قال ابن عباس: فدعاني الحسين بن علي (عليهما السلام) وعبدالله بن جعفر وعلي بن عبدالله بن العباس فقال: اغسلوا ابن عمكم فغسلناه وحنطناه وألبسناه أكفانه، ثم خرجنا به حتى صلينا عليه في المسجد، وإن الحسين أمر أن يفتح البيت، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان، ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان وقالوا: يدفن أمير المؤمنين الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان، ويدفن الحسن مع رسول الله؟ لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا، وتنقصف الرماح وينفد النبل.
فقال الحسين (عليه السلام): أما والله الذي حرم مكة، للحسن بن علي وابن فاطمة أحق برسول الله (صلى الله عليه واله) وببيته ممن ادخل بيته بغير إذنه وهو والله أحق به من حمال الخطايا مسير أبي ذر رحمه الله، الفاعل بعمار ما فعل، وبعبد الله ما صنع، الحامي الحمى، المؤوي لطريد رسول الله (صلى الله عليه واله) لكنكم صرتم بعده الامراء، وتابعكم على ذلك الاعداء، وأبناء الاعداء.
قال: فحملناه فأتينا به قبر امه فاطمة (عليها السلام) فدفناه إلى جنبها رضي الله عنه وأرضاه.
_______________
(1) الاحزاب: 53.
===============
( 153 )
قال ابن عباس: وكنت أول من انصرف، فسمعت اللغظ (1) وخفت أن يعجل
الحسين على من قد أقبل، ورأيت شخصا علمت الشر فيه، فأقبلت مبادرا فإذا أنا بعائشة في أربعين راكبا على بغل مرحل تقدمهم وتأمرهم بالقتال.
فلما رأتني قالت: إلي إلي يا ابن عباس! لقد اجترأتم علي في الدنيا تؤذونني مرة بعد اخرى، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا احب، فقلت:
واسوأتاه يوم على بغل، ويوم على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله، وتقاتلي أولياء الله، وتحولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يدفن معه، ارجعي فقد كفى الله عزوجل المؤنة، ودفن الحسن (عليه السلام) إلى جنب امه، فلم يزدد من الله تعالى إلا قربا، وما ازددتم منه والله إلا بعدا، يا سوأتاه انصرفى فقد رأيت ما سرك.
قال: فقطبت في وجهي، ونادت بأعلى صوتها: أوما نسيتم الجمل، يا ابن عباس إنكم لذوو أحقاد، فقلت: أم والله ما نسيته أهل السماء، فكيف تنساه أهل الارض فانصرفت وهي تقول:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر (2)
بيان: الرحل للبعير، كالسرج للفرس، ولعل المراد بالمرحل هنا المسرج ويحتمل أن يكون من الرحالة ككتابة وهي السرج، والنوى الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، ويقال: استقرت نواهم أي أقاموا.
23 يج: روي عن الصادق، عن آبائه (عليهم السلام) أن الحسن (عليه السلام) قال لاهل بيته: إني أموت بالسم كما مات رسول الله (صلى الله عليه واله) قالوا: ومن يفعل ذلك؟ قال:
امرأتي جعدة بنت الاشعث بن قيس، فان معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك، قالوا:
أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك، قال: كيف اخرجها ولم تفعل بعد شيئا
_______________
(1) اللغط: الصوت والجلبة، وقيل: أصوات مبهمة لا تفهم، وقيل: الكلام الذى لا يبين، وفى بعض النسخ " اللفظ " وهو تصحيف.
(2) ذكر الامدى أن البيت لمعقر بن حمار البارقى، وقوله " ألقت عصاها " أى اقام وترك الاسفار، وهو مثل. راجع الصحاح ص 2428.
===============
( 154 )
ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس.
فما ذهبت الايام حتى بعث إليها معاوية مالا جسيما، وجعل يمنيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضا ويزوجها من يزيد وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن (عليه السلام) فانصرف إلى منزله وهو صائم فأخرجت وقت الافطار، وكان يوما حارا شربة لبن وقد ألقت فيها ذلك السم، فشربها وقال: عدوة الله! قتلتيني قتلك الله والله لا تصيبين مني خلفا، ولقد غرك وسخر منك، والله يخزيك ويخزيه.
فمكث (عليه السلام) يومان ثم مضى، فغدر بها معاوية ولم يف لها بما عاهد عليه.
24 يج: روي أن الصادق (عليه السلام) قال: لما حضرت الحسن بن علي (عليه السلام) الوفاة بكى بكاء شديدا وقال: إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط ثم أوصى أن يدفنوه بالبقيع، فقال: يا أخي احملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه واله) لاجدد به عدهي: ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني فستعلم يا ابن ام أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله، فيجلبون في منعكم، وبالله اقسم عليك أن تهرق في أمري محجمة دم.
فلما غسله وكفنه الحسين (عليه السلام) وحمله على سريره وتوجه إلى قبر جده رسول الله (صلى الله عليه واله) ليجدد به عهدا، أتى مروان بن الحكم ومن معه من بني امية فقال: أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبدا ولحقت عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا احب.
فقال ابن عباس لمروان بن الحكم، لا نريد دفن صاحبنا فانه كان أعلم بحرمة قبر رسول الله من أن يطرق عليه هجما، كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه، انصرف فنحن ندفنه بالبقيع كما وصى.
ثم قال لعائشة: واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل وفي رواية يوما تجملت ويوما تبغلت، وإن عشت تفيلت، فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغدادي فقال:
===============
( 155 )
يا بنت أبي بكر * لا كان ولا كنت لك التسع من الثمن * وبالكل تملكت تجملت تبلغت * وإن عشت تفيلت بيان: قوله لك التسع من الثمن إنما كان في مناظرة فضال ابن الحسن بن فضال الكوفي مع أبي حنيفة فقال له الفضال قوله الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " (1) منسوخ أو غير منسوخ؟ قال: هذه الآية غير منسوخة، قال: ما تقول في خير الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) أبوبكر وعمر؟ أم علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فقال: أما علمت أنهما ضجيعا رسول الله (صلى الله عليه واله) في قبره فأي حجة تريد في فضلهما أفضل من هذه؟ فقال له الفضال: لقد ظلما إذ أوصيا بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله (صلى الله عليه واله) لقد أساءا إذا رجعا في هبتهما، ونكتا عهدها، وقد أقررت أن قوله تعالى " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " غير منسوخة.
فأطرق أبوحنيفة ثم قال: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة، فاستحقها الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما فقال له فضال:
أنت تعلم أن النبي (صلى الله عليه واله) مات عن تسع حشايا، وكا لهن الثمن لمكان ولده فاطمة فاذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبرو الحجرة كذا وكذا طولا وعرضا، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك؟
وبعد فما بال عائشة وحفصة يرثان رسول الله وفاطمة بنته منعت الميراث فالمناقضة في ذلك ظاهرة من وجوه كثيرة.
فقال أبوحنيفة: نحوه عني فانه والله رافضي خبيث.
توضيح: الحشايا: الفرض كنى بها عن الزوجات.
25 شا: من الاخبار التي جاءت بسبب وفاة الحسن (عليه السلام) ما رواه عيسى ابن مهران، عن عبدالله بن الصباح، عن حريز، عن مغيرة قال: أرسل معاوية إلى جعدة بنت الاشعث أني مزوجك ابني يزيد على أن تسمي الحسن وبعث
_______________
(1) الاحزاب: 53.
===============
( 156 )
إليها مائة ألف درهم، ففعلت وسمت الحسن فسوغها المال، ولم يزوجها من يزيد فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، وكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمة الازواج.
وروى عيسى بن مهران قال: حدثني عثمان بن عمر قال: حدثنا ابن عون عن عمر بن إسحاق قال: كنت مع الحسن والحسين (عليهما السلام) في الدار فدخل الحسن (عليه السلام) المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي.
فقال له الحسين (عليه السلام): ومن سقاكه؟ قال: وما تريد منه؟ أتريد قتله إن يكن هو هو، فالله أشد نقمة منك وإن لم يكن هو فما احب أن يؤخذ بي برئ.
وروى عبدالله بن إبراهيم عن زياد المخارقي قال: لما حضرت الحسن (عليه السلام) الوفاة استدعى الحسين (عليه السلام) وقال: يا أخي إني مفارقك، ولا حق بربي وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وإني لعارف بمن سقاني السم ومن أين دهيت، وأنا اخاصمه إلى الله عزوجل: فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ، وانتظر ما يحدث الله عزوجل في.
فإذا قضيت نحبي فغمضني وغسلني وكفني وأدخلني على سريري إلى قبر جدي رسول الله (صلى الله عليه واله) لاجدد به عهدا ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة [بنت أسد )
رضي الله عنها فادفني هناك وستعلم يا ابن ام إن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله (صلى الله عليه واله) فيجلبون في ذلك، ويمنعونكم منه، بالله اقسم عليك أن تهرق في أمري محجمة دم، ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته، وما كان وصى إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) حين استخلفه وأهله بمقامه، ودل شيعته على استخلافه، ونصبه لهم علما من بعده.
فلما مضى لسبيله غسله الحسين (عليه السلام) وكفنه وحمله على سريره، ولم يشك مروان ومن معه من بني امية أنهم سيدفنونه عند رسول الله (صلى الله عليه واله) فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين (عليه السلام) إلى قبر جده رسول الله (صلى الله عليه واله) ليجدد به عهدا
===============
( 157 )
أقبلوا إليه في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: مالي ولكم؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا احب، وجعل مروان يقول: " يا رب هيجا هي خير من دعة " أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي؟ (صلى الله عليه واله) لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف، وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم، وبين بني امية.
فبادر ابن عباس رحمه الله إلى مروان فقال له: إرجع يا مروان من حيث جئت فانا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله (صلى الله عليه واله) لكنا نريد أن نجدد به عهدا بزيارته ثم نرده إلى جدته فاطمة، فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبي (صلى الله عليه واله) لعلمت أنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير إذنه.
ثم أقبل على عائشة وقال لها: واسوأتاه يوما على بغل ويوما على جمل؟
تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلي أولياء الله، ارجعي فقد كفيت الذي تخافين وبلغت ما تحبين، والله منتصر لاهل هذا البيت ولو بعد حين.
وقال الحسين (عليه السلام): والله لولا عهد الحسن إلي بحقن الدماء وأن لا اهريق في أمره محجمة دم، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منكم مآخذها، وقد نقضتم العهد بيننا وبينكم، وأبطلتم ما اشترطنا عليكم لانفسنا. ومضوا بالحسن (عليه السلام) فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها.
قب: مثله مع اختصار وزاد فيه: ورموا بالنبال جنازته حتى سل منها سبعون نبلا فقال ابن عباس بعد كلام: جملت وبغلت ولو عشت لفيلت (1).
26 شا: لما استقر الصلح بين الحسن (عليه السلام) ومعاوية خرج الحسن (عليه السلام) إلى المدينة، فأقام بها كاظما غيظه، لازما منزله، منتظرا لامر ربه عزوجل إلى أن تم لمعاوية عشر سنين من إمارته، وعزم على البيعة لابنه يزيد، فدس إلى جعدة بنت الاشعث بن قيس وكانت زوجة الحسن (عليه السلام) من حملها على سمه، وضمن لها أن يزوجها بابنه يزيد، فأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم فبقي
_______________
(1) الارشاد ص 174 176. مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 29 و 42 44.
===============
( 158 )
أربعين يوما مريضا، ومضى لسبيله في شهر صفر سنة خمسين من الهجرة، وله يومئذ ثمانية وأربعون سنة، وكانت خلافته عشر سنين، وتولى أخوه ووصيه الحسين (عليه السلام) غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف رضي الله عنها بالبقيع (1).
27 قب: أبوطالب المكي في قوت القلوب: إن الحسن (عليه السلام) تزوج مائتين وخمسين امرأة وقد قيل ثلاثمائة وكان علي يضجر من ذلك فكان يقول في خطبته:
إن الحسن مطلاق، فلا تنكحوه.
أبوعبدالله المحدث في رامش أفزاي: إن هذه النساء كلهن خرجن في خلف جنازته حافيات. (2).
28 قب: كتاب الانوار أنه قال (عليه السلام): سقيت السم مرتين وهذه الثالثة وقيل: إنه سقي برادة الذهب.
روضة الواعظين،: في حديث عمير بن إسحاق إن الحسن (عليه السلام) قال: لقد سقيت السم مرارا ما سقيته مثل هذه المرة، لقد تقطعت قطعة قطعة من كبدي أقلبها بعود معي.
وفي رواية عبدالله [عن] المخارقي (3) إنه قال: يا أخي إني مفارقك ولا حق بربي وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست وإنني لعارف بمن سقاني ومن أين دهيت وأنا اخاصمه إلى الله عزوجل، فقال له الحسين (عليه السلام): ومن سقاكه؟ قال: ما تريد به؟ أتريد أن تقتله؟ إن يكن هو هو، فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما
_______________
(1) المصدر ص 174.
(2) المناقب ج 4 ص 30 وسيجيئ في الباب الاتى تحت الرقم 4. وفيه كلام يذب عن الحسن السبط (عليه السلام).
(3) في المصدر ص 42 عبدالله البخارى والصحيح ما جعلناه في الصلب: " عبدالله عن المخارقى " كما مر عن الارشاد الرقم 25 حيث قال وروى عبدالله بن ابراهيم، عن زياد المخارقى.
===============
( 159 )
احب أن يؤخذ بي برئ.
وفي خبر: فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ وانتظر ما يحدث الله في.
وفي خبر: وبالله اقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة من دم.
ربيع الابرار، عن الزمخشري، والعقد عن ابن عبد ربه (1) أنه لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي (عليهما السلام) سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه، فدخل عليه ابن عباس فقال له: يا ابن عباس أمات أبومحمد؟ قال: نعم رحمه الله وبلغني تكبيرك وسجودك، أما والله ما يسد جثمانه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك قال: حسبته ترك صبية صغارا ولم يترك عليهم كثير معاش، فقال: إن الذي وكلهم إليه غيرك، وفي رواية كنا صغارا فكبرنا، قال: فأنت تكون سيد القوم، قال:
أما أبوعبدالله الحسين بن علي (عليهما السلام) باق.
للفضل بن عباس:
أصبح اليوم ابن هند آمنا ظاهر النخوة إذ مات الحسن رحمة الله عليه إنما طالما أشجى ابن هند وأرن استراح اليوم منه بعده إذ ثوى رهنا لاحداث الزمن فارتع اليوم ابن هند آمنا إنما يقمص بالعير السمن (2).
بيان: أشجاه أحزنه، والارن بالتحريك النشاط، يقال أرن كفرح والانسب هنا الفتح، وكونه بتشديد النون بأن يكون من الرنين بمعنى الصياح وفاعله ابن هند بعيد، والعير الحمار الوحشي والاهلي أيضا ويقال قمص الفرس وغيره يقمص ويقمص وهو أن يرفع يديه ويطرحها معا ويعجن برجليه، وقمص به أي وثب وطرحه، والحاصل أن السمن آفة للعير يصرعه ويقتله.
_______________
(1) كثيرا ما يعبر ابن شهر آشوب عن الكتاب ومؤلفه هكذا: ربيع الابرار عن الزمخشرى، والعقد عن ابن عبد ربه. وهكذا، مع أن ربيع الابرار للزمخشرى نفسه والعقد الفريد لابن ربه الاندلسى، ففيه تسامح.
(2) المصدر ص 42 و 43.
===============
( 160 )
29 قب: وحكي أن الحسن (عليه السلام) لما أشرف على الموت، قال له الحسين:
أريد أن أعلم حالك يا أخي، فقال له الحسن: سمعت النبي (صلى الله عليه واله) يقول: لا يفارق العقل منا أهل البيت مادام الروح فينا فضع يدك في يدي حتى إذا عاينت ملك الموت أغمز يدك فوضع يده في يده فلما كان بعد ساعة غمزيده غمزا خفيفا فقرب الحسين اذنه إلى فمه فقال: قال لي ملك الموت: أبشر فان الله عنك راض وجدك شافع.
وقال الحسين (عليه السلام) لما وضع الحسن في لحده (1).
ءأدهن رأسي أم تطيب مجالسي ورأسك معفور وأنت سليب أو استمتع الدنيا لشئ احبه إلى [ألا] ظ كل ما أدنا إليك حبيب فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة عليك وما هبت صبا وجنوب وما هملت عيني من الدمع قطرة وما اخضر في دوح الحجاز قضيب بكائي طويل والدموع غزيرة وأنت بعيد والمزار قريب غريب وأطراف البيوت تحوطه ألاكل من تحت التراب غريب ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى وكل فتى للموت فيه نصيب فليس حريب من اصيب بماله ولكن من وارى أخاه حريب نسيبك من أمسى يناجيك طيفه وليس لمن تحت التراب نسيب (2)
_______________
(1) قال سبط ابن الجوزى في التذكرة ص 122: ولما دفن قام أخوه محمد ابن الحنفية على قبره باكيا وقال: رحمك الله أبا محمد! لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك ولنعم الروح روح عمر به بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا، وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، وخامس أصحاب الكساء.
ربيت في حجر الاسلام، ورضعت ثدي الايمان، ولك السوابق العظمى، والغايات القصوى، وبك أصلح الله بين فئتين عظيمتين من المسلمين، ولم بك شعث الدين، فعليك السلام فلقد طبت حيا وميتا، وأنشد:
ءأدهن رأسى ام تطيب محاسنى وخدك معفور وأنت سليب سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة وما اخضر في دوح الرياض قضيب غريب وأكناف الحجاز تحوطه ألا كل من تحت التراب غريب
(2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 44 و 45.
===============
( 161 )
بيان: قوله: " إلى كل ما أدنى " الظاهر " ألا " (1) ويمكن أن يكون إلى مشددا فخففت لضرورة الشعر، قوله " خلاف الذي مضى " أي خلفه وبعده، قوله (عليه السلام) " نسيبك " أي مناسبك وقرابتك من يراك في الطيف.
والحاصل أن بعد الموت لم يبقى من الاسباب والقرابات الظاهرة إلا الرؤية في المنام وفي بعض النسخ " طرفه " أي من لا يراك فكأنه ليس نسيبك.
30 قب: وله (عليه السلام):
إن لم أمت أسفا عليك فقد أصبحت مشتاقا إلى الموت سليمان بن قبة:
يا كذب الله من نعى حسنا ليس لتكذيب نعيه حسن كنت خليلي وكنت خالصتي لكل حي من أهله سكن أجول في الدار لا أراك وفي الدار اناس جوارهم غبن بدلتهم منك ليت إنهم أضحوا وبيني وبينهم عدن الصادق (عليه السلام): بينا الحسن (عليه السلام) يوما في حجر رسول الله (صلى الله عليه واله) إذ رفع رأسه فقال: يا أبه! ما لمن زارك بعد موتك؟ قال: يا بني من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنة، ومن أتا أباك زائرا بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائرا بعد موتك فله الجنة (2).
31 كشف: قال كمال الدين ابن طلحة: توفي (عليه السلام) لخمس خلون من ربيع الاول في سنة تسع وأربعين للهجرة، وقيل: خمسين، وكان عمره سبعا وأربعين سنة.
وقال الحافظ الجنابذي: ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) [في] النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، ومات سنة تسع وأربعين، وكان قد سقي السم مرارا وكان مرضه أربعين يوما.
_______________
(1) كما في المصدر المطبوع.
(2) المصدر ص 45 و 46.
===============
( 162 )
وقال الدولابي صاحب كتاب الذرية الطاهرة: تزوج علي فاطمة (عليهما السلام) فولدت له حسنا بعد احد بسنتين، وكان بين وقعة احد ومقدم النبي (صلى الله عليه واله) المدينة سنتان وستة أشهر ونصف، فولدته لاربع سنين وستة أشهر من التاريخ.
وروي أيضا أنه ولد في رمضان من سنة ثلاث وتوفي وهو ابن خمس و أربعين سنة، وولي غسله الحسين ومحمد والعباس إخوته وصلى عليه سعيد بن العاص وكانت وفاته سنة تسع وأربعين.
وقال الكليني رحمة الله عليه: ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) في شهر رمضان سنة بدر سنة اثنتين بعد الهجرة، وروي أنه ولد سنة ثلاث، ومضى في صفر في آخره من سنة تسع وأربعين وهو ابن سبع وأربعين وأشهر.
وقال ابن الخشاب رواية عن الصادق والباقر (عليهما السلام) قالا: مضى أبومحمد الحسن ابن علي (عليهما السلام) وهو ابن سبع وأربعين سنة، وكان بينه وبين أخيه الحسين مدة الحمل وكان حمل أبي عبدالله ستة أشهر، ولم يولد مولود لستة أشهر فعاش غير الحسين (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام) فأقام أبومحمد مع جده رسول الله (صلى الله عليه واله) سبع سنين، وأقام مع أبيه بعد وفاة جده ثلاثين سنة، وأقام بعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) عشر سنين، فكان عمره سبعا وأربعين سنة، فهذا اختلافهم في عمره (1).
_______________
(1) كشف الغمة ج 2 ص 160 و 161 وقد لفق المصنف صدر كلامه وحذف وأوصل فراجع.